ابن الجوزي

323

صفة الصفوة

فبينا أنا مع أهلي إذ دقّ داقّ الباب في آخر الليل ، فقلت : من يدقّ الباب ؟ فقالت : أنا فلانة . فقلت : فلانة قطعة لحم مطروحة في البيت ، كيف يستوي لها أن تمشي ؟ فقالت : أنا هي ، افتحوا لي ففتحنا لها فإذا هي . فقلت : أيّ شيء الخبر ؟ فقلت : سمعتكم تذكرون ضيفنا هذا بخير فوقع في نفسي أن أتوسل إلى اللّه عزّ وجل به فقلت : اللهم بحق ضيفنا هذا وبجاهه عندك إلا أطلقت أسري : فاستويت وقمت وأنا في عافية كما تروني . فقمت إليه أطلبه في البيت فإذا البيت خال ليس فيه أحد فجئت إلى الباب فوجدته مغلقا بحاله فقال معروف : نعم ، فيهم صغار وكبار . يعني الأولياء . 345 - عابد آخر مجذوم أبو عبد اللّه البراثي قال : قال خلف البرزالي : أتيت برجل مجذوم ذاهب اليدين والرجلين أعمى ، فجعلته مع المجذومين . فغفلت عنه أياما ثم ذكرته فقلت : يا هذا إني غفلت عنك فكيف حالك ؟ فقال لي حبيبي ومن أنا أحبه فقد أحاطت محبّته بأحشائي فلا أجد لما أنا فيه من ألم مع محبته لا يغفل عني . فقلت له : إني نسيت . فقال : إنّ لي من يذكّرني ، وكيف لا يذكر الحبيب حبيبه وهو نصب عينيه تائه العقل والقلب ؟ قلت له : ألا أزوّجك امرأة تنظّفك من هذه الأقذار ؟ قال : فبكي ثم تنفس ورمى ببصره نحو السماء وقال : يا حبيب قلبي . ثم أغمي عليه . فأفاق فقلت : ما تقول ؟ فقال : كيف تزوّجني وأنا مالك الدنيا وعروسها ؟ قلت : أيّ شيء الذي عندك من ملك الدنيا وأنت ذاهب اليدين والرجلين ، أعمى ، تأكل كما تأكل البهائم ؟ قال : رضي عني سيدي إذا أبلى جوارحي وأطلق لساني بذكره . قال : فوقع منّي بكل موقع فما لبث إلا يسيرا حتى مات . فأخرجت له كفنا فيه طول ، فقطعت منه . فأتيت في منامي فقيل لي : يا خلف بخلت على وليّ ومحبّي بكفن طويل ؟ قد رددنا عليك كفنك وكفّنّاه عندنا بالسندس والإستبرق . قال : فصرت إلى بيت الأكفان فإذا الكفن ملقى .